محمد بن جرير الطبري

267

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ما أنزلتُ على رسولي ؟ قال : بلى يا رب ! قال : فماذا عملت فيما عُلِّمت ؟ قال : كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار ! فيقول الله له : كذبت ! وتقول له الملائكة : كذبت ! ويقول الله له : بل أردت أن يقال : " فلان قارئ " فقد قيل ذلك ! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له : ألم أوسِّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟ قال : بلى يا رب ! قال : فماذا عملت فيما آتيتك ؟ قال : كنت أصل الرحم ، وأتصدَّق . فيقول الله له : كذبت ! وتقول الملائكة : كذبت ! ويقول الله له : بل أردت أن يقال : " فلان جواد " ، فقد قيل ذلك ! ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله ، فيقال له : فيما ذا قُتلت ؟ فيقول : أمرت بالجهاد في سبيلك ، فقاتلت حتى قتلت . فيقول الله له : كذبت ! وتقول له الملائكة : كذبت ! ويقول الله له : بل أردت أن يقال : " فلان جريء " ، وقد قيل ذلك ! ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال : يا أبا هريرة ، أولئك الثلاثة أول خلق الله تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة . ( 1 ) = قال الوليد أبو عثمان : فأخبرني عقبة أن شفيًّا هو الذي دخل على معاوية ، فأخبره بهذا . قال أبو عثمان : وحدثني العلاء بن أبي حكيم : أنه كان سيَّافًا لمعاوية ، قال : فدخل عليه رجل فحدّثه بهذا عن أبي هريرة ، فقال أبو هريرة : وقد فعل بهؤلاء هذا ، فكيف بمن بقي من الناس ! ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هلك ، وقلنا : [ قد جاءنا ] هذا الرجل بشرٍّ ! ( 2 ) ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه فقال : صدق الله ورسوله : ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ) ، وقرأ إلى : ( وباطل ما كانوا يعملون ) . ( 3 )

--> ( 1 ) في المطبوعة والمخطوطة : " تسعر لهم " ، والصواب ما أثبت من سنن الترمذي . ( 2 ) في المطبوعة : " قلنا هذا الرجل شر " ، وهو فاسد جدا ، وفي المخطوطة مثله إلا أن فيها : " بشر " ، والصواب ما أثبته من سنن الترمذي ، ووضعت الزيادة بين القوسين . ( 3 ) الأثر : 18028 - " ابن المبارك " ، هو " عبد الله بن المبارك " ، الإمام المشهور ، و " حيوة بن شريح التجيبي المصري " ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 16382 . " والوليد بن أبي الوليد القرشي ، أبو عثمان " ، ثقة ، مضى برقم : 5455 . " وعقبة بن مسلم التجيبي المصري " ، تابعي ثقة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 13240 ، 13241 . " وشفي بن ماتع الأصبحي المصري " ، تابعي ثقة ، من ثقات المصريين ، كان عالمًا حكيمًا . وعده ابن جرير الطبري في الصحابة ، ولا يكاد يثبت . مترجم في التهذيب ، وابن سعد 7 / 2 / 201 ، والكبير 2 / 2 / 267 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 389 ، والإصابة في ترجمته في القسم الرابع من حرف الشين . وقال الحافظ ابن حجر : " وأورد حديثه بقي بن مخلد في مسنده أيضًا . ولم أر له رواية عن صحابي إلا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وحديثه عنه في السنن . وجزم بأنه تابعي ، وأن حديثه مرسل : البخاري وابن حبان ، وأبو حاتم الرازي ، وغيرهم " . وهذا الخبر رواه الترمذي في " كتاب الزهد " ، في باب " الرياء والسمعة " ، وقال : " هذا حديث حسن غريب " ، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فالترمذي إذا قال : حسن غريب ، قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق ، لكن المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن " ، قلت : وغرابة هذا الحديث ، رواية " شفي بن ماتع " ، عن " أبي هريرة " ، وشفي لا تعرف له رواية مشهورة ثانية إلا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ، وإن كانت روايته عن أبي هريرة حسنة ، على غرابتها ، لأنه خليق أن يروى عنه ، وخليق أن يلقاه مرة بالمدينة ، كما جاء في هذا الخبر . وقد رواه مختصرًا ، النسائي في سننه 6 : 23 ، من طريق أخرى ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد ، عن جريج ، عن يوسف بن يوسف ، عن سليمان بن يسار ، قال : تفرق الناس عن أبي هريرة ، فقال له قائل من أهل الشأم ، أيها الشيخ ، حدثني حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الحديث = فكأن هذا القائل من أهل الشأم هو " شفي بن ماتع " ، وأنه كان بالشأم قبل أن يسكن مصر ، و " شفي " ، في الطبقة الثانية من تابعي أهل مصر ، كما عده ابن سعد . و " سليمان بن يسار الهلالي " ، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ، وسمع من أبي هريرة ، فكأن هذا القائل ، أو شفي بن ماتع ، كان يومئذ صغيرًا وهو يسأل أبا هريرة بالمدينة ، وكأن خبر النسائي ، هو الشاهد من الحديث الصحيح الذي جعل الترمذي يصف الخبر الأول بأنه " حسن غريب " .